الشوكاني
327
فتح القدير
ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وزكاة ) قال : بركة ، وفى قوله ( وكان تقيا ) قال : طهر فلم يعمل بذنب . سورة مريم الآية ( 16 - 26 ) قوله ( واذكر في الكتاب مريم ) هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ، والمراد بالكتاب هذه السورة : أي أذكر يا محمد للناس في هذه السورة قصة مريم ، ويجوز أن يراد بالكتاب جنس القرآن ، وهذه السورة منه ، ولما كان الذكر لا يتعلق بالأعيان احتيج إلى تقدير مضاف يتعلق به الذكر . وهو قصة مريم ، أو خبر مريم ( إذ انتبذت ) العامل في الظرف هو ذلك المضاف المقدر ، ويجوز أن يجعل بدل اشتمال من مريم ، لأن الأزمان مشتملة على ما فيها ، ويكون المراد بمريم خبرها ، وفى هذا الإبدال دلالة على تفخيم شأن الوقت لوقوع قصتها العجيبة فيه ، والنبذ الطرح والرمي . قال الله سبحانه - فنبذوه وراء ظهورهم - والمعنى أنها تنحت وتباعدت . وقال ابن قتيبة : اعتزلت . وقيل انفردت . والمعاني متقاربة . واختلفوا في سبب انتباذها ، فقيل لأجل أن تعبد الله سبحانه ، وقيل لتطهر من حيضها ، و ( من أهلها ) متعلق بانتبذت ، وانتصاب ( مكانا شرقيا ) على المفعولية للفعل المذكور : أي مكانا من جانب الشرق ، والشرق بسكون الراء : المكان الذي تشرق فيه الشمس ، وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة الشرق لأنها مطلع الأنوار ، حكى معناه ابن جرير . وقد اختلف الناس في نبوة مريم ، فقيل إنها نبية بمجرد هذا الإرسال إليها ومخاطبتها للملك ، وقيل لم تكن نبية ، لأنه إنما كلمها الملك وهو على مثال البشر . وقد تقدم الكلام في هذا في آل عمران ( فاتخذت من دونهم حجابا ) أي اتخذت من دون أهلها حجابا يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة ، أو حال التطهر من الحيض ، والحجاب الستر والحاجز ( فأرسلنا إليها روحنا ) هو جبريل عليه السلام ، وقيل هو روح عيسى ، لأن الله سبحانه خلق الأرواح قبل الأجساد ، والأول أولى لقوله ( فتمثل لها بشرا سويا ) أي تمثل جبريل لها بشرا مستوى الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئا ، قيل ووجه تمثل الملك لها بشرا أنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته ، فلما